ابن حجر العسقلاني
501
فتح الباري
في نية المتقرب قال ويشير إلى هذا التأويل قوله إنه لا يأتي بخير وقوله إنه لا يقرب من ابن آدم شيئا لم يكن الله قدره له وهذا كالنص على هذا التعليل انتهى والاحتمال الأول يعم أنواع النذر والثاني يخص نوع المجازات وزاد القاضي عياض ويقال ان الاخبار بذلك وقع على سبيل الاعلام من أنه لا يغالب القدر ولا يأتي الخير بسببه والنهي عن اعتقاد خلاف ذلك خشية أن يقع ذلك في ظن بعض الجهلة قال ومحصل مذهب مالك انه مباح الا إذا كان مؤيدا لتكرره عليه في أوقات فقد يثقل عليه فعله فيفعله بالتكلف من غير طيب نفس وغير خالص النية فحينئذ يكره قال وهذا أحد محتملات قوله لا يأتي بخير أي ان عقباه لا تحمد وقد يتعذر الوفاء به وقد يكون معناه لا يكون سببا لخير لم يقدر كما في الحديث وبهذا الاحتمال الأخير صدر ابن دقيق العيد كلامه فقال يحتمل أن تكون الباء للسببية كأنه قال لا يأتي بسبب خير في نفس الناذر وطبعه في طلب القربة والطاعة من غير عوض يحصل له وإن كان يترتب عليه خير وهو فعل الطاعة التي نذرها لكن سبب ذلك الخير حصول غرضه وقال النووي معنى قوله لا يأتي بخير انه لا يرد شيئا من القدر كما بينته الروايات الأخرى ( تنبيه ) قوله لا يأتي كذا للأكثر ووقع في بعض النسخ لا يأت بغير ياء وليس بلحن لأنه قد سمع نظيره من كلام العرب وقال الخطابي في الاعلام هذا باب من العلم غريب وهو أن ينهى عن فعل شئ حتى إذا فعل كان واجبا وقد ذكر أكثر الشافعية ونقله أبو علي السنجي عن نص الشافعي ان النذر مكروه لثبوت النهي عنه وكذا نقل عن المالكية وجزم به عنهم ابن دقيق العيد وأشار ابن العربي إلى الخلاف عنهم والجزم عن الشافعية بالكراهة قال واحتجوا بأنه ليس طاعة محضة لأنه لم يقصد به خالص القربة وانما قصد أن ينفع نفسه أو يدفع عنها ضررا بما التزمه وجزم الحنابلة بالكراهة وعندهم رواية في أنها كراهة تحريم وتوقف بعضهم في صحتها وقال الترمذي بعد ان ترجم كراهة النذر وأورد حديث أبي هريرة ثم قال وفي الباب عن ابن عمر العمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم كرهوا النذر وقال ابن المبارك معنى الكراهة في النذر في الطاعة وفي المعصية فان نذر الرجل في الطاعة فوفى به فله فيه أجر ويكره له النذر قال ابن دقيق العيد وفيه اشكال على القواعد فإنها تقتضي ان الوسيلة إلى الطاعة طاعة كما أن الوسيلة إلى المعصية معصية والنذر وسيلة إلى التزام القربة فيلزم ان يكون قربة الا ان الحديث دل على الكراهة ثم أشار إلى التفرقة بين نذر المجازاة فحمل النهي عليه وبين نذر الابتداء فهو قربة محضة وقال ابن أبي الدم في شرح الوسيط القياس استحبابه والمختار انه خلاف الأولى وليس بمكروه كذا قال ونوزع بأن خلاف الأولى ما اندرج في عموم نهى والمكروه ما نهى عنه بخصوصه وقد ثبت النهي عن النذر بخصوصه فيكون مكروها واني لا تعجب ممن انطلق لسانه بأنه ليس بمكروه مع ثبوت الصريح عنه فأقل درجاته أن يكون مكروها كراهة تنزيه وممن بنى على استحبابه النووي في شرح المهذب فقال إن الأصح ان التلفظ بالنذر في الصلاة لا يبطلها لأنها مناجاة لله فأشبه الدعاء انتهى وإذا ثبت النهي عن الشئ مطلقا فترك فعله داخل الصلاة أولى فكيف يكون مستحبا وأحسن ما يحمل عليه كلام هؤلاء نذر التبرر المحض بأن يقول لله على أن أفعل كذا أو لأفعلنه على المجازاة وقد حمل بعضهم النهي على من علم من حاله عدم القيام بما التزمه حكاه شيخنا في شرح الترمذي ولما نقل ابن الرفعة